ابن الأثير

240

أسد الغابة ( دار الفكر )

قال عمر بن الخطاب : رأيت العاص بن سعيد يوم بدر يبحث [ ( 1 ) ] التراب عنه كالأسد ، فصمد له على فقتله ، وقال عمر يوما لسعيد بن العاص : لم أقتل أباك وإنما قتلت خالي العاص بن هاشم ، وما أعتذر من قتل مشرك . فقال له سعيد بن العاص : ولو قتلته لكنت على الحق ، وكان على الباطل ؛ فتعجب عمر من قوله [ ( 2 ) ] . وكان جده أبو أحيحة إذا اعتمّ بمكة لا يعتمّ أحد بلون عمامته ؛ إعظاما له ، وكان يقال له : ذو التاج . وكان هذا سعيد من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم ، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان ، واستعمله عثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط . وغزا طبرستان فافتتحها ، وغزا جرجان فافتتحها ، سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين ، وانتقضت أذربيجان ، فغزاها ، فافتتحها في قول . ولما قتل عثمان لزم بيته واعتزل الفتنة ، فلم يشهد الجمل ولا صفّين ، فلما استقر الأمر لمعاوية أتاه ، وله مع معاوية كلام طويل ؛ عاتبه معاوية على تخلّفه عنه في حروبه ، فاعتذر هو ، فقبل معاوية عذره ، ثم ولاه المدينة ، فكان يوليه إذا عزل مروان عن المدينة ، ويولى مروان إذا عزله ، وكان سعيد كثير الجود والسخاء ، وكان إذا سأله سائل ، وليس عنده ما يعطيه ، كتب به دينا إلى وقت ميسرته ، وكان يجمع إخوانه كل جمعة يوما فيصنع لهم الطعام ، ويخلع عليهم ، ويرسل إليهم بالجوائز ، ويبعث إلى عيالاتهم بالبر الكثير ، وكان يبعث مولى له إلى المسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة ومعه الصرر فيها الدنانير ، فيضعها بين يدي المصلين ، وكان قد كثر المصلون بالمسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة ، إلا أنه كان عظيم الكبر وروى سعيد هذا عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وعن عمر ، وعن عثمان ، وعائشة . روى عنه ابناه يحيى وعمرو الأشدق ، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر ، وعروة . روى ابن شهاب ، عن يحيى بن سعيد بن العاص ، عن أبيه سعيد ، قال : استأذن أبو بكر على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو مضطجع في مرط [ ( 3 ) ] عائشة ، فأذن له ، وهو كذلك ، فقضى حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عمر ، فأذن له ، وهو على ذلك ، فقضى حاجته ثم انصرف ، قال عثمان : ثم استأذنت عليه ، فجلس ، فجمع عليه ثيابه ، فقضيت حاجتي ثم انصرفت . فقالت له عائشة :

--> [ ( 1 ) ] بحث الأرض وفيها : أي حفرها وطلب الشيء فيها . [ ( 2 ) ] ينظر كتاب نسب قريش : 176 . [ ( 3 ) ] المرط : كساء من صوف أو خز .